السيد محمد حسين فضل الله

80

من وحي القرآن

للحزن ، لأن اللَّه الذي جحدوا وحيه سوف يتكفل بهم بما ينزل عليهم من العذاب في الدنيا والآخرة ، وتلك هي قضية الرسل الذين لا يمثلون أنفسهم في رسالتهم بل يمثلون اللَّه في دعوته فيتركون الأمر إليه ، فهو الذي يملك الأمر كله وهو الذي يواجه عباده بما يستحقّون ولن يضرّه ذلك في شيء . ولذلك فإننا لا نلتقي مع سبب النزول لأنه لا ينسجم مع السياق العام للآية ، بل هو - على الظاهر - اجتهاد من الرواة في تفسير السبب في مقارنتهم بين فهمهم للآية وبعض الأحداث الحاصلة في بداية الدعوة في الواقع التاريخي للسيرة . إن هذه الروايات توحي بأن هناك من الناس من يؤمن بالدعوة سرّا وينكرها علنا لاعتبارات ذاتية أو عائلية أو غير ذلك ، خاصة إذا كان اعتناقها يفترض الإيمان بأفكارها ومفاهيمها وصفائها على حساب ما عندهم على هدى قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [ النمل / 14 ] . وقد جاء عن ابن إسحاق قال : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، أنه حدّث أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، حليف بني زهرة ، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وهو يصلي من الليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أوّل مرّة . ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر